did you say something?? didn't you ?? who did then
هل قلت شيئاً ؟؟! ... لا عليك
!! أولاد الكلب الملاعين... التشوهات الخلقية نتاج الحضارة والعولمة والتمدين والرأسمالية وزحف الجنوب على الشمال والشرق على الغرب .. فليذهب كل من تسبب في صنع تلك الخلق الى الجحيم... يا الهي.
ماذا أنا فاعل في تلك المدينة القذرة. لما أنا بعيد كل هذا البعد عن دياري... خرب الله بيته "ياسر" ... لم يكن من الضروري تماماً أن يذكرني بكل ما حدث... ولم يكن في حديثنا بالامس أي شيء يدفعه للتكلم عن تلك الايام الماضية, انني أحاول تناسيها وتجاهل وجودها , بل وتصديق انها لم توجد أبداً. لم تفلح أي من المحاولات المباشرة في استحضار الحنين بقدر ما فعلت كلمات ياسر بالأمس. يذكرني بالمراه. ليته يعلم ما كان يفعل بي ذلك الحوار البرئ خلف تلك الابتسامة المجاملة التي رسمتها... يذكرني بمراه منزلي القديم. منزل جدي وجدتي ومن بعدهم أبي وعمي حتي تشتت كل هؤلاء فيما بين هذه الحياه والحياه الاخرى ودولتنا القذرة و دول الخليج الاقذر , حتي مكثت فيه وحيداً لمدة خمسة عشر عاماً . لقد نسيت الان كل شيء فيه, على الاقل كل الاشياء الكبيرة, كل المشاعر التي صاحبت تواجدي في هذا المنزل. لقد باعوه, بعدما باعوا كل شيء فيه... الاثاث الاندلسي الطراز ذو الوسائد الجلدية والزخارف النحاسية , الستائر المخملية السميكة والتليفون الاسود العملاق , المراه خشبية الاطار التي كانت تقف بطول الحائط . لعنهم الله أولاد الكلب واسكنهم جحيمه... بل أسكنهم القاهرة. وكل ذلك لم يعيد شيئاً الى ذاكرتي المتجمدة التي اقتصرت وظيفتها على تذكر الصور فقط. صور مجردة بلا أي شعور... ولكن تلك المراه... لكم رأت تلك المراه , لو كانت تستطيع فقط تسجيل ما حدث... لما احتجت الى الكلام.
عندما قال ياسر ذلك التعبير دفعني لتذكر كل شيء, كل ما فاق عن الصور الجامدة وشطح عنها. ورأيت من خلال الصورة الجامدة للمراه كل شيء. انفصلت عن الجلسة في ذلك اليوم وذهبت للنوم بعد أن تعكر صفوي وضاقت قدرتي على التماسك حتى تلاشت وانفجرت.
خرجت من محطة المترو في سراي القبة ووقفت لاتأمل مجموعة من الادوات المكتبية التي وضعها أحد البائعين أمام سور المحطة وأغلبها ان لم تكن جميعها صناعة صينية, قمت بشراء قلم جاف. على الفور سحبته مني يد فتاه تتكلم في الهاتف ويملي عليها الطرف الاخر من المكالمة شيئاً ما يبدو انه على قدر من الاهمية ليجعلها تقوم بهذا الفعل الذي يتصف بالهمجية والبداوة. لم يكن اعتراضي على الهمجية بشكل خاص بقدر ما كان يزعجني في الامر هو عدم اتساق الهمجية مع سائر الأفعال السفسطائية المحيطة. وقفت لأتأملها وهي تضع الهاتف في طيات حجاب رأسها وتكتب ما يقوله الطرف الاخر. يا لها من حمقاء. لم تبالي حتى بأن تطلب , ولم أكن لأمانع أبداً . وقفت في انتظارها حتى تنتهي من المكالمة لأستعيد قلمي الذي لم أدفع ثمنه بعد ... ما أن انتهت أرجعت لي القلم بنظرة خاطفة من الامتنان لم توافي نصف ما كنت انتظره. يا لها من حمقاء. توجهت الى الحديقة في مواجهة محطة المترو. كل شيء هنا يذكرك بنيويورك من حيث المبدأ , نيويورك التي لم أراها قط ولكنا لابد أن تكون كذلك. في الحقيقة العملية هي لم تكن تشبه نيويورك على الاطلاق ولكن شيئاً ما جعلني أشعر انها كذلك وكأني أرى نيويورك في حلم فجلب عقلي مما رأيت في حياتي كل العناصر لاتمام الصورة بالعناصر المتوفرة من أنحاء ذاكرتي عن أشياء مختلفة فبدت كصورة مشوههة من حقيقة سرعان ما انكشفت وانهار التشبيه. ممر ضيق بين حديقتين كلاهما ذو سور حديدي. أقف أولاًَ في بداية ذلك الممر عند بائعة القهوة التي أصر أن اسمها لابد أن يكون صباح. أجمل فتاه رأيتها, هي مبالغة قليلاً ولكنها الاجمل في هذا المكان القذر. هبت لتصنع لي القهوة كما تعودت من طلبي اليومي ومكثت أنتظر وأنا أتأمل بتاع الفول وبتاع البطاطس والفلافل والبتنجان والناس متزاحمة حولهم.
أخذت قهوتي ودفعت لها بما يزيد عن ثمنها ب50% وشكرتها وقلت "سلم ايدك" . خرجت من الطرف الاخر للممر عابراً ببتاع السجائر وبتاع التيتا نانا والمرجيحة ولعبة النيشان حاملاً جاكيت على ساعدي لأن المساء يبرد قليلاً وكوب القهوة في يد وحقيبة اللاب توب على كتفي وسيجارا مشتعلة مترددة بين يدي الاخرى وفمي. وقد بدا الطرف الاخر من العالم في نهاية الممر مختلف كل الاختلاف عن الممر ولكنه أشبه بالعالم الذي سبق دخولي الممر (عند بتاع الاقلام الصينية والحمقاء ومحطة المترو أحرقهم الله جميعاً).
منذ أن انتقلت الى هذه المدينة القذرة بعدما باع قاطنو السعودية منزلهم ومنزلي بالاسكندرية منذ ثلاثة أعوام وأنا لا أستطيع التعامل بتاتاً مع تلك المدينة. كل شيء يشوبه صعوبة وتعقيد وسفسطة بداية بطلب الكشري بالكبدة من عند بابا عبده وحتى حفظ أرقام الاتوبيس, ظلت شركات النقل العام تتكاثر في الايام الاخيرة حتى وصلت الى ما يقرب من خمسة وعشرين شركة , لكل منهم أرقامه الخاصة, وليس ذلك ما يدهشني بقدر ما يدهشني اذا سألت أحد الاشخاص عن كيفية الوصول للمكان الفولاني لسرد لك سيلاً من الارقام لا تستطيع تذكر ربعه... " يا اما تركب 327 أو رقم 8 أو 16ب أو262 بشرطة أو 170 تربيع" كل بالطبع حسب تسلسله في كل شركة نقل خاصة أو عامة" . قلت الجأ للدليل الالكتوني في الشارع فهو على الاقل يتيح الفرصة للتركيز والكتابة. أخرجت نوتة صغيرة من حقيبة الlaptop والقلم الجاف الذي اشتريته ونسيت غطاءه مع الحمقاء, ووقفت لأستخدم الدليل المثبت على الرصيف.
وقفت واضعاً الحقيبة بين قدمي ماسكا بتليفوني اضغط امام الشاشة الالكترونية لتستجيب للكود الشخصي , ولكنها لم تستجيب. ضغط بقوة على زر الاتصال عدة مرات مؤكدة على أرقامي الخاصة ولم تستجيب مرة أخرى. وجدت على مقربة حارس مرور أبله زاد من بلاهته انه يحاول ألا يكون أبله , أعرف تماماً انه لن يفيدني في شيء ولكني تركت الحقيبة لكثرة ما يشغل يداي وذهبت مسرعاً اليه وسألته عن مكان الsensor الخاص بذلك الجهاز اللعين. وبعكس ما توقعت صاحبني الى الجهاز وأشار لي الى مكانه وقد نمت شجرة صغيرة بجانبه فحجبته, لذا لم أدرك مكانه ولم يستجيب. كنت في غاية الحنق من الضجيج والمدينة القذرة وعدم استجابة أي شيء فصببت كل ذلك الغضب على العسكري وكنت أقول أن ذلك الجهاز لابد أن يكون واضحاً ليستجيب الدليل الالكتروني لاشارات المستخدم وكيف انه من شدة الغباء زرع شجرة في هذا المكان. حاول العسكري أن يهدئ من روعي مببراً ذلك الفعل أن صاحب الدكان المقابل هو من قام بزراعة هذه الشجيرة في هذا المكان حيث مات أحد أقاربة مصعوقاً وهو يستخدم الجهاز. بالطبع لم يهدئ ذلك من روعي بل زاد من غضبي ولم تنجح محاولة الشرطي بربط الامر بالمسائل الروحانية من التقليل من ثورتي. لعنته ولعنت البقال ولعنت الاحياء والاموات وأقاربي قاطني السعودية الذين تسببوا في وجودي في هذا المكان وهذا الوقت. ورجعت الى موقفي أمام الجهاز ممركزاً حقيبتي بين قدمي ومفسراً لموت قريب البقال بتلك المياه التي تجمعت حول قاعدة الجهاز بفضل عدم صرف مياه الامطار. وما أن اعدت المحاولة بعد أن قصصت فرعين من الشجرة اكتشفت أن الحقيبة مفتوحة وملقاه وينقصها laptop .
شربت قدر ما أستطيع من قهوة صباح المغلية وألقيت بالكوب أرضاً وقد لسعت القهوة كل أجزاء فمي. وقفت لأنظر يميناً ويساراً في هستريا بحثاً عن السارق... كان الامر غاية في الصعوبة, أدركت للحظة أن جميع الوجوه مشكوك بأمرها. الجميع يمكن أن يكونوا لصوصاً... اللطفاء قبل الواجمين , الاغنياء قبل الاشقياء , الجميع يشبهون اللصوص , الاطفال , الشيوخ , النساء , ذوي الدقون , الشرطة , البقال ... كلهم متآمرون. زادت ضربات قلبي وأنا أشعر بالمؤامرة حتى كاد أن يتوقف واستطعت تمييز البارانويا واخذت حبتين من الدواء الذي أبقيه معي للضرورة ( وسوف أذكر قصته لاحقاً) وحاولت التركيز بشكل أكثر عقلانية. كان أكثر المشتبه بهم مجموعة من الاطفال قد خرجوا من مدرستهم للتو يجرون من فرط كبتهم في كل اتجاه. كان هناك الكثيرين أيضاً ولكن كنت أعلم جيداً اني لن اصل الى شيء اذا حاولت متابعة كل المارين بالشارع والتعلق بكل الاحتمالات الممكنة. اتخذت أول ما طرحه عقلي من شكوك ومشيت وراءه حاملاً حقيبتي الفارغة في يد ومعطفي في ساعد وكراستي الصغيرة في اليد الاخرى وهاتفي في جيبي وقلمي في فمي وجريت ورا مجموعة التلاميذ.
كانت المجموعة مكونة من ستة عشر تلميذا تقريبا في حالة من الهياج الشديد . حاولت أن احسرهم في مجال بصري حتى لايتوه أو يختفي منهم أحد. كان هناك طفلاً متأخراً عن الجميع بينما البقية يسبقوه ويتبارون في سبه واهانته لسبب ما. أمسكت بكتف الصغير وسألته اذا كان أحد أصدقاءه أخذ شيئاً من حقيبتي التي كنت أضعها هناك... نظر لي الطفل في هلع ثم نظر لأصدقاءة ثم لي مرة أخرى, ثم انهمر في البكاء.
لم ينقصني سوى هذا. ظللت اسأله غير مبال ببكاءه اذا كان رأى أحداً... ولكن الطفل ظل يبكي بكاءاً هستيرياً. تركته وجريت وراء زملاءه فاسرعوا من جريهم. ولم يمنعني ذلك من اللحاق بهم فلقد كنت عداءاً منذ حوالي خمسة عشر عاماً ولازلت أحتفظ ببعض لياقتي ولكن ما قد اعجزني بالفعل عن ملاحقتهم هو تشتتهم في كل اتجاه. اصابني التوتر وتبلبلت قدماي ودخلت الواحدة في مسار الاخرى وكاد ان يلهفني أوتوبيس رقم 356 وهو في الأغلب ما كنت ابحث عنه , فتجنبته وتمنيت أن يدهس كل الاطفال حتى أستطيع تفتيش حقائبهم على مهل , ولكنه لم ينجح في اصابة أي منهم بل لقد مر بجانبهم وقفز فيه حوالي ستة تلاميذ فغابوا عن بصري بذلك, نظرت الى البقية المشتتة وكنت في أقرب مرحلة الى البكاء ولكني لم أفعل... فلم أكن قد بكيت منذ خمسة عشر عاماً ومرة استثنائية بالبارحة.
يا الله... ماذا أفعل الان... قلت أجلس على الرصيف استجمع شتات قلبي قبل عقلي... فعقلي كان يعمل بكفاءة عالية لم يوازيها في القدر قلبي. جلست على الرصيف أتنفس دخاناً يشوبه بعض الهواء, لأني كنت أجلس في مستوى كل الشكمانات ونفايات البشر في أقذر منطقة من هذا الكون الفسيح.
قال لي الطبيب أن وهن قلبي هو مرض نفسي وليس عضوي, وان كان في ايماني أن العضوي هو النفسي والنفسي هو العضوي... آه يا عضوي.
قال أن ما يصيبني هو اضطراب في ضغط الدم blood pressure disturbance وهو ليس مرتفع وليس منخفض ولكنه بين هذا وذاك. وبذلك اخذ أجمل ما في المرضين ولا أستطيع علاج أي منهم على حدى حتى لا أموت بفعل الاخر. وقال أيضاً أن ذلك أمراً طبيعياً وهو مرضاً أصبح منتشراً تلك الايام بشكل كبير مؤخراً وفي هذه المدينه بالذات , ربما هو أخر وسائل الطبيعة في ازالة كل أفرعها الضعيفة والغير نافعة والغير قادرة على التعايش والاستمرار بمبدأ الانتخاب الطبيعي الذي طرحه داروين . علاج هذا المرض لم يعرف بعد ولكن يمكن أن يصلح الامر بعض الANTIDEPRESSANT وذلك لأن ذلك الاخير يقلل من تفاعل الجهاز العصبي مع مسببات هذا المرض (النفسية في الغالب), وبهذا لا يصاب القلب بهذا الانتهاك من الارتفاع والانخفاض المبالغ في كليهما. أصبحت مؤخراً في حالة من هاتين الحالتين فقط لا ثالث لهما... اما أنا غاية في العصبية وعلى استعداد تام للمشاجرة مع ذبابة قادتها الصدفة لتمر أمام وجهي , أو انني في حالة من الذعر فاذا دهس احدهم على قدمي أو وقف شخصاً في مساري أوشكت على البكاء. سبب الحالة الاولي ارتفاع ضغط الدم وسبب الثانية هو انخفاضه. فلتجربوه يوماً يا من فعلتم بي كل هذا انه أمرأ مسليا بحق. كل يوم لا يمت بأي صلة الى اليوم الذي يسبقه وان تطابقت المؤثرات الخارجية , ترى نفسك تتصرف كل يوم تجاة الاشياء ذاتها بتصرف جديد.
قاطع أفكاري صوت نحيب سمعته قريباً أكثر مما يجب ووجدت التلميذ الذي سألته في محاولة مني لمعرفة السارق, جالساً بجانبي على الرصيف يبكي مثل شتاء الاسكندريةالمحبب , بينما أنا امتعض مثل شتاء القاهرة الذي لا يظهر منه سوى انبعاج في الصورة العامة ليس اكثر مع ازدياد القذارة الطينية والبؤس بشكل غير مبرر. نظرت له في أسى وربت على كتفه في هدوء وقلت له بنوع من التظرف " ولا يهمك... هجيبلك واحد غيره". بعكس المتوقع انكفأ الطفل على قدمي وازداد نحيبه ارتفاعاً من حيث المضمون وخبأ وجهه تماماً بين قدمي المضمومتين وبقية رأسه بيديه... فأصبح المنظر الخارجي غير مبرر وغاية في الريبة. بينما أنا أنظر الى المارة بأعين تطل منها نظرات غبية ويدان تقولان " مش أنا "... يادي الفضيحة... حاول أن أفرد قدمي فكاد الطفل أن يقع وأعرقل أحد المارة فضممتهم مرة أخرى , وبالتدريج قل اهتمامي بالمارة وبدأت يدي بعد تردد تربت على رأسه في هدوء.
لم يكن هناك أي جدوى من الذهاب الى العمل, ففي أغلب الظن سيتم فصلي بعد أن ضاع كل ما قمت بكتابته خلال الثلاثة أشهر الماضية. يالخيبة الامل. لم يكن عندي في هذه اللحظة أي مانع للموت ويكن عندي هذه الموانع أبداً ولكن أحياناً تزيد الرغبة في ذلك واحياناً تقل وتنحسر حتى أوج تفائلي في مرحلة اللا مانع. كنت في هذه اللحظة راغباً في الانتهاء بالفعل.
هززت رأس الطفل مرتين وقلت له "عن اذنك... اصلي عايز ارمي نفسي تحت أي أوتوبيس" فلم يرد. زفرت في استسلام وشيء غير ملحوظ من الملل فعدل الطفل من جلسته وقد جفت عيناه من الدموع ونظر لي في أسي دون أن ينطق.
نظرت له نظرة مشابهة لنظرته كثيراً وقلت له ... " العيال المعفنة دي كانوا عايزين منك ايه ؟ " , فقال انهم لا يريدون منه شيئاً ولكنهم فقط كانوا يسخرون منه... لم أكن أريد التدخل في تفاصيل قد تحرجه وهي في الغالب أمور لا تعنيني فأغلقت فمي في حكمة , ولكنه استكمل دون سؤال وهو يشن بأنفه قائلاً... "أمي تعمل في السيرك"... قلت في عقلي ..." أهلاً !! "... ولم أجد ما يمكن أن أقوله تماماً وظللت أنظر الى السماء منتظر الهاماً لما يتوجب علي قوله... فسألته : "أتحب السيرك؟" , فبكى الطفل مرة أخرى وندمت على قولي ندماً شديداً وعرفت حينها أن ذلك لم يكن الهاماً بل على الارجح كانت الالهه تفكر فقط بصوت مسموع.
سألته عن اسمه فقال لي "سيمبا"... كتمت في اخر لحظة ضحكة كادت أن تدمر ذلك الفتى الى الابد وكان ذلك أنجح ما فعلت ذلك اليوم بل واني قلت له " يا له من اسم... مبتكر". أمسكت بيد الطفل ووقفت ثم جذبته للقيام وتمشينا معاً. سألته عن واجهته فلم تخالف وجهتي , فلم يكن لي حينها أي واجهة على الاطلاق. ثم ذهبنا معاً.
اعتذرت له لتغيير الموضوع لحظات للسؤال... " هل رأيت أحد من اصدقائك يأخذ شيئاً من حقيبتي ؟" فنظر لي في غباء. أظهرت له الحقيبة لأنعش ذاكرته... " حقيبتي كانت موجودة هناك..." , فبدا من نظراته انه لا يعرف شيئاً عن هذا الامر. فربت على كتفه قائلاً "و لا يهمك".
تمشينا بعدها معاً دون الاكثار في الحديث ... لم أقل سوى بعض النصائح التي لو كنت عملت بها لكنت اليوم في الاسكندرية في شقتي القديمة بسبورتنج, احتسي الخمر مع الاصدقاء وندور كالمجانين حول السفرة الاندلسية على نغمات موسيقية منتظمة تخرج من سماعات الكاسيت الفيليبس الخشبية.
"لا تحاول التغيير... حاول التبرير... في هذه الحياه الكابوسية جميع الاختيارات سيئة ولن يئول أي أمر سوى الى الاسوأ, فلا تحاول تغيير أي شيء. كل الحضارة والعولمة والرأسمالية والتوسع والتضخم والاستثمار والطموح تحاول التغيير ولا أحد يبدو سعيداً على قدر معرفتي..." لم يبدو الطفل انه يفهم شيئاً ولم أكن أنا اسعى لأفهمه شيئاً بقدر ما كنت أريد أن أسمع هذه الكلمات الان ... بقدر ما كنت أريد أن يقولها لي أحدهم وأنا في مثل سن هذا الصغير وأنا مشتت ومهزوم قبل حتى أن أبدأ في عمل أي شيء. كنت في حاجة حقيقية لسماع نصيحة جيدة حينذاك , اكتبها وشماً على جسدي أو في مشغولة نحاسية أضعها حلقاً متدلياً من اذني... (ربما في النرويج , فلن يلاقى الامر الاخير بالتفهم المطلوب هنا) حسنا لا داعي للمبالغة , ربما حفظتها فقط وعملت بها منذ اليوم الاول من ميلادي.
كان سيمبا يوجهني الى طريق منزله حينما كنت كمثل كبار السن جميعاً ينتظرون الفرصة تأتي من قريب أو من بعيد ليحكوا عن أي شيء قاموا به أو قالوه أو لم يقوموا به ولم يقولوه فتعلموه. كنت أبغض هؤلاء بحق في طفولتي ولا أدري متى انسحبت تدريجياً لأقف في صفوف المتكلمين.
" عارف مثلاً ... أنا الدكتور وصفلي دواء... دواء هيجعل مني شخص أهدأ وأكثر رزانة وأكثر قدرة على التفكير المنطقي مئة ضعف مما أنا عليه الان ولكني لم اخذه... أتعرف لماذا ؟... لأن عندي عقدة حقيقية في مسألة الاختيار فيما بين ما أنا عليه وما يجب أن أكونه وما ينتظره مني الجميع لكي أكونه... عندي هاجس دائم في مسألة اثبات الذات وتلك الاشياء وحينما حاولت أن أشرح ذلك للطبيب لم يفهم شيئاً... رفضت الدواء وظللت اتصرف بهمجية تجاه كل شيء ولا أستمع الى نصيحة أحد حتى خسرت الجميع... ولا أعرف ما أفعله الان هو بالامر الصواب أم بالأمر الخطأ ولكني قررت الا أغير شيء ... رغم كل ذلك أشعر دائماً بأن هناك شيئاً ما في داخلى لم أخسره... لا أعرف ما هو ولكنه هو ما يبقيني حياً حتى هذه اللحظة.
لقد قام عمي ببيع اثاث منزلي الذي كان في الاصل منزله قطعة تلو الاخرى حتى باع المنزل ذاته ولم يبقى منه سوى صور في ذاكرتي وأباجورة هي أجمل ما أقتني... كان أجمل منزل في أجمل بقعة في العالم... هل ذهبت الى الاسكندرية قط ؟... "
حسناً يبدو اني خرجت عن السياق قليلاً... مهلاً مهلاً... أنت تريد نصيحة... انت لا تحتاج الى نصيحة أبدية ولكن نصيحة عملية يمكنك البدء في تطبيقها الان... هل تعلم شيئاً , عندي قول لطيف... لا تعتنق أي مذهب أو فلسفة سوى التي تجيب عن السؤال الأكثر أهمية في الحياه... " ماذا أفعل الان ؟ " ... اذا جاوبتك الاديان عن كل شيء وأعطتك جواباً مسبقاً ورأياً مثالياً وموقفاً محدداً تجاه كل شيء ولم تجيبك عن هذا السؤال , فهي باطلة , لذا لا أهتم بما يجب أن تفعله تجاه الحياه كلها ولكني أفكر لك فيما يجب أن تفعله الان.
" لا تحاول اخفاء حقيقة أو تغيرها أو تناسي وجودها ولكن السعي الحقيقي في حياتك يكون لتبرير الحقائق وتبرير وجودها... اذا كانت امك تعمل بالسيرك وتعطيك اسماً لأحد أسودها, فلا تحاول اخفاء ذلك , فلن يصيبك من اخفاء الحقيقة سوى ظهورها في كوابيسك... في الغد لا يكون سعيك لتغيير ما يقوله اصدقائك عنك ولكن حاول أن ترى الصحيح فيه وتلوكه ثم تبصقه في اعينهم..."
مشينا دون أن يتحدث أي منا لعدة أمتار ظن سيمبا خلالها ان ذلك نهاية الحديث ولكني تكلمت مرة أخرى بشكل غير متوقع أثار من مفاجئة الصبي... " اتريدني أن أقول لك نصيحة أخرى... وهي من أهم أقوالي أيضاً... لا تستمع الى نصيحة أحد ما لم يكن انسانا سعيداً... بل دعني اتوخي الدقة لأن لفظة سعيد محط شك لأن السعيد من الخارج قد لا يكون سعيداً بحق في داخله وعكس ذلك صحيح أيضاً هذا بالاضافة ان المخلوقات تجد لذة في الالم أيضاً واللذة أصدق من السعادة ولفظ أكثر دقة ... دعني أقول لك لا تستمع إلا الى انساناً تريد أن تصبح في مثل حاله يوماً ما... أتريد أن تكون في مثل حالي ؟... بالطبع لا ... فانسى كل ما قلته اذاً واذهب عنى"... قلت ذلك ولمزيداً من المبالغة في الاداء لأكون مضحكاً رفست الطفل أمامي ودفعت راسه لا أدري في قسوة أم في مداعبة ولكن كل ما أعرف انه لم يكن بالتوقيت المناسب لأفعل ذلك في هذه اللحظة بالذات.
ظهرت أم الطفل منبعثة من الفراغ أمامنا في انتظار طفلها أسفل المنزل وكانت ذات شعر أصفر مقصوص وجسم ممتلئ وأعين نارية وكادت أن تفتك بي حينما رات ما فعلته بابنها واخذت تصيح في وفي الطفل , فجريت منهما وقد نجح صياحها في أيقاظ خلايا العداء في داخلي التي لم تستيقظ منذ خمسة عشر عاماً سوى مرى استثنائية منذ ساعة ونصف.
---------
في اليوم التالي ذهبت الى العمل في نفس رحلتي الراديكالية بالمترو... الممر المحفوف بالحدائق من الجهتين, خارجاً من الجهة الاخرى لأصطدم بكل الوجوه القبيحة حاملاً كوب القهوة من صباح في يد ومعطف على الساعد وحقيبة على كتفي وبداخلها الlaptop وقد اكتشفت اني كنت قد نسيته من الاصل في المنزل ولم أخرج به من الأساس في الحقيبة.و دهشت حينما رأيت سيمبا في انتظارى وقد اعتدل مزاجه كثيراً عما رأته في المرة الأولى حتى انني تعرفت عليه بصعوبة, فاعتدال مزاجه كان بادياً على وقفته وتورد جبهته وابتسامته لرؤيتي... سألته عن الحال... فجاوبني انه لم يكن قط بهذه السعادة. حكى لي سيمبا عن يومه الدراسي , قال لي أنه قام بعملية بحث واستخبار لمحاولة معرفة سارق حقيبتي ودخل في عدة مشاجرات مع – كما يقول – أكثر التلاميذ همجية وتوحش , منهم قدري وهو أشد الاولاد بلطجة وذلك بعد اتهامه بسرقة الحقيبة , وقد شك سيمبا به لأنه الاقرب من حيث الاستعداد النفسي للقيام بالسرقة وقد وجده اليوم بالذات يتكلم عن ألعاب الكمبيوتر فتشابكت الخيوط في رأسه وبلا تقديم أو تمهيد ضرب هذا الطفل ضرباً مبرحاً اسقطه أرضاً ثم ركله بعد ذلك في منطقة صادف أن تمركزت كهدف أمام قدمه , ففعل ما يجب فعله وركله بقوة قدر ما يستطيع. وحين أشار لي سيمبا على المنطقة التى ضربه فيها اتجهت عيناي علي الفور على حذاء سيمبا حتى أدرك الاصابة , فوجدته حذاءاً جلدياً سميكاً مرصعاً بقطعاً حديدية في كل مكان أشبه بحذاء Robocop الذي ظهر به في الجزء السادس منه لحذاء طفل في السنة الابتدائية السادسة... يا الهي.
كلما كان يسرد جزءاً من قصته ينفعل أكثر ويندفع الدم في وجهه أكثر فأكثر بينما ينسحب من وجهي تدريجياً فيما يجعل كلانا أشبه بمثل تعليمي للأواني المستطرقة. كنت في شدة الخجل ولم أستطع مواجهته أبداً بحقيقة الLAPTOP الذي وجدته في المنزل بعد كل ما فعل من أجلي... وقررت أن أخفي عنه الأمر خاصة بعد ما رأيت ما كان يعلو وجهه من امارات الحياه ونظرة الشغف التي لم أرى مثيلها منذ ثلاث سنوات. لم أجد ما أقوله لذلك الصبي وانتظرت الهاماً لما يجب علي قوله فتحجر لساني للحظات بدت طويلة ثم قلت أول الهاماً سمعته..." سيمبا... انت بالفعل الاسد الملك" ماذا... ما الذي قلته ... هلا كففتم عن التفكير في أذني أرجوكم !!! ... نظر لي سيمبا في دهشة من شدة غباء التعليق... ادركت الموقف بسرعة وشرعت احاول انهاء الموضوع بأكمله وشكرته بشدة لما فعل وقلت له أن يكتفي بعقابه لقدري والمسامح كريم وبتاع ويكفيه ما خسره حتى الان. أخرج سيمبا ورقة كتب عليها بخط طفولي قائمة باسماء من يشك بأمرهم وعلى رأسهم اسم ضحيته الاولى وشيئاً من المعلومات عن كل واحد منهم... أخذت منه تلك القائمة وأنا عندي رغبة شديدة في الاختفاء... قلت له انى سوف أتخذ تصرفاً ما تجاه هؤلاء ولا داعي للاستمرار في التحقيقات والتأنيب والتأديب , وهذا يكفي.
مشينا معاً مرة أخرى فهمت خلال هذه المرة أن الفتى ارتبط بي بحق وأنا أدري تماماً ما يجب عليّ فعله. الفتى كان يحتاج بحق لهذه الثورة. والثورة كانت نابعة من داخله ولم تكن لتحتاج سوي حافز ما يجلي قشرة الانكسار التي كسي بها لسنوات طويلة. كنت أنا ذلك الحافز الاحمق وبغير قصد كنت حافزاً كافياً , ان لم تكن تلك الثورة بسبب سخرية أصدقاءه ومحاولة الدفاع عن الحقيقة فهي بسبب قضية السرقة ومحاولة استخراج الحقيقة وان لم تكن بسبب هذا أو ذاك لخرجت بأكثر الاشكال تجريداً ونقاءاً : الجنون. المهم أن تحدث وكنت متأكداً أن المشكوك بأمرهم ضحايا تلك الثورة لن يختلفوا كثيراً عن ضحايا اي ثورة اخرى. ظللت أقلب الأمر في ذهني حتى وجدت نفسي اني اتجهت معه بغير قصد الى منزله مرة أخرى. تذكرت أمه وقلت له اني راحل, تشبث بيدي وقال لي أنه شرح لأمه الامر وهي تدعوني اليوم لأنها تريد التحدث معي بخصوص أمر ما , كالاعتذار كما أنتظر. وضعت يدي على قلبي الابله الذي لم يحدد بعد المرض الذي يلائمه وحاولت بكل الطرق التملص من الطفل ولم تنجح جميع حيلي أمام اصراره الشديد. سرت معه منقاداً حتى وصلنا الى المنزل حيث وقفت أمه في انتظارنا وصافحتني في ود واعتذار مصطنع عما حدث بالبارحة حينما لم تكن قد فهمت الامر بعد , وأجزم أني رأيت في نظرتها شيئاً من الارتياب لم تستطع اخفاءه للحظة , ودعتني للدخول للتكلم بشكل لائق فدخلت , فقد كانت قوية الشخصية من ذلك الطراز الذي تعني دعواتهم ونصائحهم المزينة الحميمة بالاوامر المباشرة.
امه ذات الشعر الاصفر القصير والجسم الممتلئ كانت تشبه زوجة عمي كثيراً, باستثناء أن زوجة عمي لها شعر بني طويل وجسم أكثر تماسكاً ولكنها بدت انها هي ولكن تلبس قناعاً وزياً تنكرياً وتضع جهازاً لتغيير صوتها وتخفي شخصها ولكنها ما تزال هي. لا أحاول الاستظراف ولكنها هي بالفعل, شيئاً ما في داخلي يخبرني بذلك. كانت حينذاك تعد طعام الغذاء وتدعوني للمشاركة في تناوله , حاولت اقناعها أن الوقت مبكر جداً للطعام بالنسبة الي, لأني أذهب الى العمل متأخراً واني مازلت في بداية يومي, ولكنها رفضت في قوة جعلتني لا أعيد المحاولة.
اظهرت الام امتنان مصحوب بقدر من الشك لم تستطع اخفاءه لأني وقفت بجانب ابنها في الوقت الذي كان يحتاج فيه بالفعل لأحد بجانبه وخاصة بعد وفاة والده منذ عدة أشهر. سألتها في محاولة مني في كسر حاجز التوتر عن عمل المرحوم زوجها... فسعلت باصطناع وقالت في اقتضاب... "مهرج".
كان ذلك كافياً لغلق أي موضوع يتعلق بالوالد في الوقت الحالي... وسعلت في اصطناع أنا الاخر ولم أجد أي شيء أقوله ولم اصغي لأي الهام في اذني. ظلت الام تتكلم بصوت جهوري في شبه ثورة, بداية بالخطاب وسط صالة منزلها حتى اكتملت تلك الثورة تماماً وهي تقف على ركبتيها فوق كرسي خشبي أمام الحوض لتريح قدميها نسبياً اثناء قرطفة حبات البسلة. وصلت خطبتها حينذاك الى صياح مدوي ملئ بالسباب والتهديد والوعيد لأي شخص قد يحاول أن يأذي ولدها أو أن يخدعه , يتخلل كلامها بصقة من آن لآخر متخيلة عدو وهمي صبت عليه عقاب من تسبب في كل مشاكلها, وصادف افتراض ذلك العدو الوهمي بين نضرها ومرآي , أي في نقطة تتوسط الخط الوهمي بين عيناي وعيناها, فكانت البصقات تبدو موجهة الي وان لم يكن موضوعها كذلك , وأري من وجهة نظري أن الموضوعية هنا لا تقلل اضطرابي ولا تريحني , وشعرت أن الامر لم يكن بغرض الشكوى بقدر ما كان فيه قدراً لا بأس به من التهديد.
كانت في غاية النشاط, تفعل مئة عمل في وقت واحد على التوازي , ترفع حللاً في شدة السخونة بيدين مجردتين لتضعهم فوق مائدة الطعام التي تبعد عنها عدة أمتار. واذا وقفت أو سيمبا في طريقها فتجري مسرعة متفادية أي عائق لطريقها برشاقة تبدو مضحكة نسبة الى جسمها الممتليء وتنفخ يداها اثناء ذلك بشكل متلاحق فيما لا يعبر عن محاولة تقليل السخونة بقدر ما تعبر فقط عن محاولة اظهار الالم الذي تحتمله اثناء قيامها بذلك.
تجيء وتذهب وتضع كل شيء على المائدة وهي تتكلم بثورة شديدة تصيبني بالتوتر أكثر فأكثر وعندما ملأت كل المواضع المتاحة لوضع أي شيء على المائدة الصغيرة فلم يبقى سوي البقعة التي وضعت عليها حقيبتي. تذكرت حينها ما أخفيه عنهم من عثوري على الlap top حتي لا أتسبب في خلع رأسي عن جسدي بيدي تلك المرأة. تقابلت نظراتنا, المذعورة من جهتي والفتاكة من جهتها الاخرى ونحن فيما يشبه التسابق لرفع الحقيبة من على الطاولة... وبالطبع وصلت يدها أولاً لترفع الحقيبة التي فضح وزنها الثقيل عن وجود الlaptop بداخلها, أي أنه لم يتم سرقته. فوضعت الحقيبة أرضاً وهي توجه لي نظرة أكاد اجزم انها تعني تهديداً ولكنها لم تقل ذلك ولم تصرح بشكوكها , مما جعل الأمر أصعب وبهدوء أخذت تستكمل اعداد الطعام.
و بداية بالكلام عن اصدقاء سيمبا الذين يسخرون منه بسبب عمل والدته تطرقت في الحديث بطبيعة الحال عن عملها, وعن السيرك في العموم. ورسالة السيرك النبيلة على مدار التاريخ وفكره واهدافه وفلسفته العميقة. كل بلاد العالم تحترم السيرك والعاملين به سوى هذه البلد اللعينة بل وتضفي عليه سذاجة لا تصدق.
كنت أحاول أن أزج ببعض التعليقات بصعوبة وسط هذا السيل المندفع من الكلمات. أراء على غرار "نعم" ... "بالفعل"... "صحيح" أو "هذا حق", ولكن لم تنجح أي من تلك التعليقات أن تعبر الي سمع السيدة أو تقلل من حدة حديثها وهياجها المتزايد أكثر فأكثر من أمر يبدو انه كان يؤرقها من سنوات طويلة ولم تسنح لها فرصة حقيقية لتصب غضبها على من تظنه أحد المتسببين في مأساتها الشخصية. قلما يجد المرء أحد هؤلاء. فهي لن تترك قدر الشك في أمري أن يضيع عليها متعة الانفجار الذي تتمناه كل يوم.
اكملت: بعض الاغبياء لا يرون في السيرك سوى الصخبة والبهرجة والوجوه الملونة, ولا يعرفوا كل العرق والجهد والدماء التي بذلت ليبقى هذا الفن موجوداً حتى هذه اللحظة , في أربعة ساعات يقضيها الناس متسامرين لا يكلفوا نفسهم حتى عناء التصفيق. لو كان أحد هؤلاء الحمقى ذهب الى سان فرانسيسكو او نيويورك لتعلموا كيف يكون التقدير وكيف تكون معاملة النجوم وكيف يبذلوا كل ما في وسعهم ليحظوا بشرف مصافحتهم. ولكنهم أغبياء ... أغبياء وحمقى. زاد صوتها حدة ونظراتها اشتعالاً واستكملت تخاطب ضمير المجهول وهي توجه نظراتها واتهاماتها اليّ بجنون... " هل يتتصور أن السيرك هو مجرد وسيلة لتقديم ساعات من التسلية... حسناً ربما تكون كذلك ولكن هل تأملت يوماً في الفلسفة وراء ذلك ؟ أن تكون وظيفة أحدهم أن يسلي حضرتك بشكل مباشر وحقيقي مثل هذا؟ ايكون جزاءه اذاً أن تسخر منه بل وتعده بذلك أنه أقل منك مقاماً ؟!! ... تبقى حيوان...
أه... ظللت أفكر فيمن اتى بي في هذا المكان وفي هذه اللحظة... في مشهد لم أكن أمت فيه بأي صلة, أي أحمق غيري وقع في مثل ظروفي لتصرف بنفس الشكل على الارجح ووقف مكاني دون اختياره... الحق اني لم افكر في حرفاً واحداً مما قالت ولم اضع أي قول موضع التحليل, لم يكن لي أي دخل بكل هذه الأمور. كاد أن يفتك بي الضيق ويزحف على ملامح وجهي أكثر فأكثر ليفضحني.
شعرت بملل كلما أشعر بمثله يبدأ عقلي في التهاوي شيئاً فشيئاً, وحينما أتوتر ولا أجيد التصرف أقسو على أضافري بلا اراده لأنهال عليها عضاً, وحينما أدرك توتري من وجع أناملي أتوقف , ولا ينتهي التوتر بانتهاء مظاهره بل يزيد الأمر بكبته فأشعر بضعف قلبي. هو لا يهدأ ولا ينشط بل يستمر في ضربه ولكن بلا فاعلية. يضرب بقوة ولكن لا ينبض شيئاً. أعرف أن هناك أموراً كثيرة لم أفكر فيها من الأساس, وطالما امنت انه ليس من الضروري ان يتخذ الانسان موقفاً ما من كل القضايا ويكون له رأياً في كل شيء . وأتعب دوماً حينما أري شخصاً يتكلم بحرارة في أمر تم طرحه للتو , وكأنه وجد فجأة غرض لحياته ورساله لنبوته. لعن الله هؤلاء أيضاً. أنا لم أفكر أبداً في قضية السيرك ورواده وممثليه ولن أفعل, ربما قبل تلك اللحظات لفكرت في اتخاذ موقفاً متفهماً من السيرك ولكن هذه السيدة التي تشبه زوجة عمي بدأت تثير حنقي بالفعل. وحنقي لم يكن في حاجة الى ثورة فوق ثورته. طالما أردت من خمسة عشر عاماً أن أظل كما أنا, أظل جالساً مع نفس الاصدقاء في نفس المنزل بنفس الأثاث والسفرة والمرآه ذات الاطار الخشبي والكاسيت ذو الباب المكسور وحنقي كما هو. السيدة ما تزال تصرخ بأعين الاتهام مدافعة عن السيرك... لعن الله السيرك والاضطهاد الذي يلفظ تلك الشخصيات المشوهة. لقد كرهت السيرك بحق بكل ما فيه.
طلبت بهدوء شديد أن أدخل الحمام... ليس طلبى لشيء سوى اني أحتاج الى العزلة مؤخراً بشكل ضروري ومتكرر. أن أغلق حيزاً خاصاً على نفسي وأجلس في أضيق ركن واهدئ قلبي. سددت اذني بعدما تسربت بداخلها الفوضى التي تحدث بالخارج وحاولت أن استجمع قوتي لمواجهة ذلك العالم مرة أخرى. أعرف اني قد أبدو مبالغاً وقد تأخرت كثيراً في الاعتراف بذلك ولكني اعرف تماماً اني أضعف بكثير من متوسط الانسان العادي, وأواجه أهوالاً نفسية كاسحة في أبسط المواقف... تنفست بقوة , أخذت الدواء الذي كنت قد أقسمت من ثلاث سنوات ان لا اخذه الا في البارحة بشكل استثنائي. خرجت في منتهى الهدوء واخذت حقيبتي واعتذرت للأم ولسيمبا عن مشاركة طعام الغذاء وانسحبت هارباً من كل تلك الهيستريا. وحينما وصلت للعمل متأخراً اربعة ساعات كاملة ظل صاحب العمل يلقي بنصائح يريدها أن تبدو غير مباشرة عن ضرورة انتظام مواعيد العمل. بالطبع لم يكن عندي نية الدخول في أي نقاش لأيام قادمة بعد كل ما حدث, وزاد الامر ضياعاً حينما فتحت حقيبتي فلم أجد بها الlaptop .
في اليوم التالي مكثت في اليوم التالي الملوث بالمدينة الكريهة ألعن كل شيء. بدأت أشعر اني فاقد السيطرة بالفعل. انه شعور طاغي لا تفسره أي بلاغة سوى كلمة اني فقدت السيطرة. أصبحت شديد العصبية وشديد التوتر وشديد الارتباك في آن. أعرف تماماَ اني أصبحت شخصاً لا تطاق مهاشرته وكلما أدركت ذلك أكثر زاد غضبي وتوتري وارتباكي وفوضتي . خاطبت صديقي وقلت له في لهجة جادة لم تمنحه الفرصة للتنصل اني اريد صحبة بشكل ضروري واني لا أستطيع أن أكون وحيداً. جاء لي أمير في سرعة وقد كان من مرتادي شقتي في سبورتنج ويحمل لي قدراً لا بأس به من التقدير لهذا السبب أو لغيره. سكتنا طويلاً ثم حكيت له عن الأمر كله بشيء من الهدوء ومحاولة التعقل , ومكثنا نحاول الوصول للحل.
سألني صديقي عن السيرك الذي تعمل به السيده, فجاوبته بمنطقية انه لا يوجد سوى سيرك واحد هو السيرك القومي بمسرح البالون, ان لم تكن السيده تعمل بcirque du soleil في سان فرانسيسكو. أخذني صديقى من ذراعي وأنا ذو شعر منكوش وذقن نابته وشكلي بوهيمي محبب الى النفس كما قال وذهبنا الى السيرك وانتظرنا أمام بوابته حتى المساء , ندخن السجائر في انتظار بدء الاستعراض وحضور الجميع.
اصابنا من كثرة الانتظار بعض الجوع فذهبا الى محل للأكلات السريعة بجانب السيرك لا يدخله أحد , جاء طلبنا على الفور وأكلناه على الفور وبصقناه على الفور. ثم اشترينا أكياس الشيبسي بدلاً من الطعام من الشطائر وبعدها شربنا مشروباً غازياً. وحينما كنا بجانب الدكان وبينما كان يحدثني أمير عن التفاعل الذي يحدث عند قضم قطعة من الجيرسي مع جرعة الميرندا وجدنا موكباً ضخماً يدخل السيرك من الباب الأمامي. كل العاملين والمدربين والحيوانات والمهرجين يدخلون في موكب هائل واطفالاً كثيرة على يمينهم ويسارهم ظهروا من اللامكان في شدة الفرحة وغاية الانفعال بين مهلل وساخر ومادح وهاج , بينما يعلو الجميع زوجة عمي تقف على قدمين خشبيتين طويلتين يحملها مهرجان وتمسك بميكروفون داعيه الجميع للدخول.
بدا مظهرها أسطورياً من زاوية بصرنا المنخفضة وكأنها قادرة أن تدهسنا في أي لحظة. جرينا خلفها أنا وصديقي نحاول مخاطبتها, نظرت لنا في شيء من الاحتقار . وحينما سألتها عن الlaptop الذي يحتوي على عملي طوال الاشهر الماضية بالكامل , فقالت بانتصار مستمتعة بكل حرف يخرج من فمها... " هتلاقيه في السيرك" مشيرة براسها الى الداخل وكأن في جملتها رمز ما أو معني باطني وخفي وراء بساطة جملتها وقد زاد ذلك الاحساس نظرة الخبث المصحوبة بالشموخ وكأن للجملة ألف معنى. نظرت لصديقي بغباء وانا لا أدري ما يتوجب علي فعله في هذه المصيبة فدفعني خلفها الى الداخل ودخل معي.
سيطرت علي البارانويا وأخذت أحلل كلمتها بينما تتراءى لي مشاهد أنظرها وأصواتاً أسمعها بدقة. لقد أخذت المرأة الlaptop وفي أغلب الظن قد فتحته, وربما عبثب به لتعرف بذلك اني كاتب أو صحفي أو شيء من هذا القبيل ولهذا وجهت لي كلماتها وكأنها تقول... "في السيرك اللي كل الناس عرفاه وعارفه مكانه مش حاجة هفأ زيك هتعيش وتموت محدش يعرف انت بتعمل ايه"... بالتأكيد كل ذلك صورته لي البارانويا, أعي ذلك تماماً... انه أمراً ظريفاً أن تكون مجنوناً ومازلت على قدر من الذكاء لتدرك انجرافك نحو الجنون, انه أمراً ظريفا بحق , سوف تصبح حياتك حينها أقرب الى مشاهدة التلفاز.
دخلنا العرض وكانت جميع الفقرات في شدة السخافة والتكرار. حتى الاطفال الذين لا يتعدى عمرهم عامين كانوا يشعرون بالملل. بالفعل الامر ليس أكثر من فوضى وبهرجة ووجوه ملونه ولا يحوي شيئاً أعقد ولا أعمق من هذا. كل الفقرات مكررة وقديمة قدم انسان الثليج الذي وجده علماء الجيولوجيا في الاتحاد السوفييتي. المهرج , السلم الهوائي , الجياد, الأسود , كل شيء. وكانت تلك السيدة تخرج بين فقرة وأخرى لتقول " من يريد التصوير مع الاسد الصغير سيمبا يتوجه الى الكافيتريا" . تخيلت الاسد الصغير سيمبا وهو جالس في الكافيتريا يشرب السحلب والمعسل ويبدي سأمه من المعجبين من الاطفال وضحكت قليلاً. بحق الجحيم كان ذلك هو عملها بالسيرك ؟ّ! بل لتوخي الصدق كانت تخرج في منتصف كل فقرة لتحث المشاهدين على التصفيق وتطارد الاطفال الذين غلبهم الملل فأخذوا يلعبوا المساكة في مكان العرض.
مهما كان الدرس الذي تريد تلك المرأه أن تعلمني أياه فقد تعلمته. مهما كان ما تريدني أن أعرف فقد عرفت. لن أسخر أبداً من السيرك وسوف أدعو الجميع للسيرك وأبشر به أيضاً وبرسالته ويكون ذلك هدف وجودي في تلك الحياه ونبوتي.
بعدما انتهت كل العروض كنت على وشك الاغماء خاصة بعد عزف الفرقة الموسيقية المتواصل الذي أصابه الهياج في فقرة الأسود اخر الفقرات وكان هدفها ان تزيد الجمهور توتراً أو تخلق جواً من التوتر عنوة لأن ذلك التوتر الذي يبثه الاسود لم يكن كافياً خاصة بعد تدريبهم جيداً ليصبحوا أشبه بالكلاب اللولو.
ظهرت المرأة بعد انصراف الجميع لتبحث عنا, وحينما وقعت عيناها علينا أشارت بأصبعها لكي نقابها بالخارج. وحينما قابلتها وحدي كانت لا تزال تنتعل الارجل الخشبية ولكنها جالسة على الأرض تحاول فكها وقدماها مفرودة أمامها تسد الطريق. ثم قالت ما توقعته بالحرف الواحد (هذا ما يجعلني اشك أحيانا في جنوني واشعر أن الاصوات التي اسمعها في ذهني أقرب الى تنبؤات سقراط والمسيح وجان دارك) "هل رأيت... كل الاطفال يحبون السيرك ويعرفون مكانه ومواقيته على العكس من جميع محاولاتك رغبتك في بعض الشهرة أو التقدير فلا يعرفك كبير ولا صغير" ... طأطأت برأسي مستجلباً كل مواهب التمثيل التي اختذنها لاعطي الانطباع اني تعلمت الدرس جيداً واني لن أسخر من السيرك أبداً ولن اسخر من طفل صغير لأن امه تعمل بالسيرك , حينها تعرقل أحد المارة – اعتقد انه حسام لاعب الاكروبات والسلم الهوائي – بأرجل المراة الخشبية الممدودة أمامها وانكفأ على وجهه. طلبت مني حينها ان أساعدها في خلع الأرجل الخشبية المربوطة بها , ففعلت ما طلبت بينما لم تخفي هي نظرة الاستعلاء وهي تنتظرني ماكثاً عند قدمها في هدوء.. وحينها سألتني سؤالاً مفاجئاً... " ما أكثر الفقرات التي أعجبتك ؟ّ " بالطبع لم أجد في رأسي أي شيء أقوله بشكل مقنع يوحي انه أعجبني بحق. أنا أستطيع التمثيل ولكن ليس الى هذا الحد. تأملت السماء فيما يشبه صلاه استعي أي الهام قد ينقذني من هذه الورطة وفجأه أجابت الالهة بشيئاً ملهما بالفعل ولم أكن قد لاحظت طرافته في العرض فقلت لها هذا المشهد على الفور ثم انفجر كلانا في الضحك . ثم ربتت فوق رأسي في حنان الديوك وأعطني الLAPTOP فبكيت لا ادري لماذا ولكن يبدو اني كنت في حاجة حقيقية لهذا. فازدادت هي حناناً وقالت العبرة الختامية... " أنا لم أختار أن يكون عملي بالسيرك مثلما لا يختار احد ابيه وامه وكما لم تختار أنت أن تكون ذكراً او انثى... " ... !! " وبالرغم كل العمليات الجراحية التي جعلت كل تلك التغيرات ممكنة إلا اني أقول لك أن لا شئ يتغير."
تعجبت من شذوذ المثل ولم أفهم ما تعنيه بجلب هذا المثل تحديداً وتمنيت أن اجري بأقصى سرعة تاركاً كل هذا الهراء بعدما رأيت نفسي في ذلك المشهد الغريب ابكي في السيرك عند قدمي سيدة تربت على رأسي وتكلمني على عمليات تغيير الجنس. ووجدت أكثر الاقوال حكمة وابلغها لانهاء هذا المشهد " يا سلااااااااااااااام" وهززت رأسي في تفهم للدرس المطلوب ثم لملمت اغراضي وذهبت بعيداً بعدما لوحت لها هذة مرات.
هناك دائما في السيرك وأبداً فقرة الساحر, وفقرة الساحر هذه بنفس ألعابها تتكرر بشكل يشعرك باللاجدوى... الدرج الفارغ الذي يصبح ممتلئاً , الكيس القماشي الذي تخرج منه حمامة , الجريدة التي تظهر جافة بعدما ينسكب فيها اللبن , المرأة التي يحشر في جسدها السيوف وهي تطل برأسها من صندوق خشبي أسود , والمنديل القماشي الذي تشده من طرفيه فينبعث منه كميه لا نهائية من المناديل. جميع تلك الألعاب يجلبوا فيها الصبية من المشاهدين ليروها عن قرب ويشهدوا بصحتها ويسمح لاعادة الخدعة المحظوظ منهم أو المتفق مع فرقة السيرك مسبقاً. هذا ما يحدث دائماً وأبداً ولكن ما كان يميز فقرة الساحر في تلك المرة كانت اخر ألعابه حينما طلب شخصاً بالغاً ليقوم بالخدعة رافضاً كل ما يحيط به من الأطفال. شعرنا أن الخدعة بذلك بها خطورة ما ولكن لم يكن ذلك المقصود من جلب الجل البالغ. فحينما شد المتطوع طرفي المنديل في ذلك العرض انبثق سوتيان بدلاً من سلسلة المناديل. ضحك بعض الاباء حينها رغمة عنهم وسط سخط الامهات ونظرات الاطفال المتسائلة عن الطريف في الأمر. انفجرت انا وصديقي بالضحك في هذه الخدعة ولم أتذكر الامر بعدها ابدا الا عندما جائني الالهام عند سؤال السيدة بشكل استثنائي وشعرت حينها كم ان تلك الخدعة بها سخرية من العرض ذاته وأن صاحب الخدعة قام بها للترفيه عن نفسه فقط ليس أكثر من ذلك ولكنها لم تنظر هي للأمر بنفس المنظور ورأت أن أمر السوتيان هو أمراً مضحكاً لأي سافل مثلي... الحق انه ربما يكون كذلك بالفعل ولا داعي للحذلقة في تحليل النكتة فكل الاشياء تتساوى في النهاية.
I don't know what I'm talking about
I'm trapped in this body and I can't get out
دي عينيكي دول مرايات مرسوم أنا فيهم
يا ضايعة الحكايات عاللي انكتب فيهم
Posted by GAMA-lone at 11:54 AM
5 comments


